بقلم سيد عبد الفتاح
في زمن تتشابك فيه معارك الوعي مع معارك الأمن، لم تعد المواجهة مع الفكر المتطرف أو الإلحادي المنفلت حكرًا على القبضة الأمنية وحدها، بل باتت معركة متعددة الأدوات، عنوانها الأبرز: إعادة بناء الإنسان.
وخلال الأيام الماضية، سلطت بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي الضوء على تجربة لافتة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل المطوّرة، كشفت عن نجاح منهج جديد تتبناه وزارة الداخلية، يقوم على تصحيح المفاهيم، لا قمعها، ومواجهة الفكرة بالفكرة، لا بالعقاب وحده.
التجربة – التي جرى تداولها على نطاق واسع – تتعلق بأحد النزلاء الذين تبنّوا في وقت سابق أفكارًا إلحادية، قبل أن تنجح برامج النصح والإرشاد في إعادته إلى رشده، عبر جلسات حوار هادئة ومنظمة، شارك فيها نزلاء سبق لهم المرور بالتجربة ذاتها، وعدلوا عن قناعاتهم المتطرفة، ليصبحوا جزءًا من الحل لا عبئًا على الأزمة.
اللافت في الأمر أن هذه الجلسات لم تُفرض بقرارات فوقية، ولم تُدار بمنطق التلقين أو الوصاية، بل جاءت في إطار إنساني مرن، جرى خلال فترات التريض، بما أتاح مساحات للنقاش الحر، والتفكير، والمراجعة الذاتية، بعيدًا عن أجواء الضغط أو الاستقطاب.
هذه المقاربة تكشف عن تحوّل نوعي في فلسفة التعامل مع النزلاء داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، حيث لم يعد الهدف مجرد تنفيذ مدة العقوبة، وإنما تفكيك البنية الفكرية المنحرفة التي قد تقود صاحبها، إن تُركت، إلى مسارات أكثر خطورة على نفسه وعلى المجتمع.
وفي موازاة هذا المشهد، جاءت هجمات حادة من بعض الصفحات على القيادي الإخواني الهارب يحيى موسى، متهمة إياه بمحاولات ممنهجة لتزييف الحقائق، واستغلال حالة السيولة الفكرية لدى بعض الشباب، ودفعهم نحو العنف تحت شعارات زائفة وشعور مصطنع بالبطولة.
ويبدو التناقض صارخًا بين مشهدين:
الأول، دولة تخوض معركة وعي صعبة داخل مؤسساتها، وتراهن على الإصلاح الفكري طويل المدى.
والثاني، جماعات هاربة تراهن على الفوضى، وتستثمر في الغضب واليأس، دون اكتراث بمصير من تدفع بهم إلى المواجهة.
إن ما يحدث داخل مراكز الإصلاح والتأهيل اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام للدولة المصرية في مواجهة التطرف بكافة أشكاله، حيث بات واضحًا أن الأمن الحقيقي يبدأ من تصحيح الأفكار، وأن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس السلاح، بل العقل حين يُختطف.
ربما لا تحظى مثل هذه النجاحات بضجيج كبير، لكنها تمثل – في ميزان الدول – انتصارات هادئة، تراكمية، تؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا، وتؤكد أن الرهان على الإنسان، مهما تعقّدت أزمته، يظل الرهان الأجدر بالثقة