الدلالات الرمزية في خطاب نتنياهو بإعلان الحرب على إيران

كتب د/ أحمد البهنسي
يحمل الخطاب الذي نسب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول تسمية العملية العسكرية ضد إيران بـ«زئير الأسد» دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتدخل في نطاق الرمزية الدينية والقومية العميقة. اختيار تعبير مستلهم من سفر عاموس يعيد توظيف صورة “الأسد الزائر” كرمز للإنذار الإلهي والحسم الحتمي. في النص النبوي، يرتبط زئير الأسد بفكرة أن الصوت يسبق الفعل، وأن التحذير يسبق الضربة. إدراج هذا الرمز في سياق عسكري معاصر يمنح العملية بُعدًا لاهوتيًا، وكأنها ليست مجرد خطوة استراتيجية بل امتداد لسردية تاريخية مقدسة.
كما أن استدعاء عبارة «لا تخف يا إسرائيل فأنت شبل الأسد» يعيد إنتاج رمز توراتي أقدم، يرتبط بوصف سبط يهوذا في سفر التكوين (49:9) بـ«شبل الأسد». هذا الرمز أصبح جزءًا من المخيال القومي الصهيوني، حيث يُقدَّم الكيان بوصفه وريثًا تاريخيًا لقوة يهوذا. استخدام “شبل الأسد” في خطاب تعبوي زمن الحرب يعزز صورة الدولة القادرة على المبادرة والهجوم، لا الاكتفاء بالدفاع، ويغذي شعورًا جمعيًا بأن المواجهة قدر تاريخي لا خيار سياسي عابر.
التزامن المفترض للضربة مع عيد البوريم يضيف طبقة رمزية أخرى. فالبوريم يحيي ذكرى نجاة اليهود من مؤامرة الإبادة في الإمبراطورية الفارسية كما وردت في سفر أستير، حيث يُهزم هامان “الطاغية الفارسي” في السردية الدينية. استحضار هذه المناسبة في سياق صراع مع إيران (الوريث الجغرافي لفارس التاريخية) يخلق توازيًا رمزيًا واضحًا بين الماضي والحاضر، ويُقدِّم المواجهة بوصفها حلقة جديدة في صراع ممتد عبر القرون.
هذه الرمزية لا تخدم الداخل الإسرائيلي فحسب، بل تخاطب أيضًا التيارات الدينية–القومية التي ترى في الصراع مع إيران بعدًا وجوديًا. داخل التيار القومي الديني، يُنظر إلى التهديد الإيراني النووي باعتباره تحديًا لرسالة الدولة ودورها التاريخي. بالتالي، فإن دمج الخطاب العسكري بالمفردات النبوية يمنح القرار السياسي غطاءً تعبويًا وأخلاقيًا، ويُسهم في تعزيز التماسك الداخلي وقت الأزمات.
في الوقت نفسه، يعكس هذا الخطاب إدراكًا لأهمية الحرب السردية. فالمواجهة لا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بالرموز والروايات. عندما يُعاد تأطير الصراع في قالب توراتي، تتحول العملية من رد أمني على برنامج نووي إلى معركة هوية وتاريخ. هذا التحول يعمّق الاستقطاب الإقليمي، ويصعّب فرص التسوية، لأن الأطراف لا تتصارع على مصالح آنية فقط بل على معانٍ وروايات كبرى.
في المحصلة، توظيف رموز الأسد، وسفر عاموس، وشبل يهوذا، وتزامن العملية مع البوريم، يكشف عن مزج متعمد بين الديني والقومي في خطاب الحرب. إنه خطاب يسعى إلى تثبيت شرعية الضربة عبر استدعاء التاريخ المقدس وربطه بالواقع السياسي المعاصر. لكن هذا النوع من التأطير، وإن كان فعالًا تعبويًا، يحمل مخاطر مضاعفة؛ إذ يحوّل الصراع من نزاع استراتيجي قابل للاحتواء إلى مواجهة مشحونة برمزية وجودية قد يصعب ضبط حدودها.




