أكتوبر.. حين استعادت مصر الأرض والكرامة

 

 

بقلم: مصطفى عتمان

 

يظل شهر أكتوبر في الذاكرة المصرية أكثر من مجرد ذكرى عسكرية عابرة؛ فهو الشهر الذي أثبتت فيه مصر أن الأرض التي فُقدت في لحظة يمكن أن تعود بالإرادة والتخطيط والصبر، وأن الهزيمة مهما كانت قاسية لا تستطيع أن تهزم شعبًا يمتلك القدرة على إعادة بناء نفسه واستعادة زمام المبادرة.

 

كانت حرب أكتوبر المجيدة نقطة تحول فارقة في التاريخ المصري الحديث، بعدما انتقلت مصر من مرحلة الاستعداد لاستعادة الأرض إلى تنفيذ واحدة من أبرز عمليات العبور والهجوم في التاريخ العسكري الحديث.

 

كان عبور قناة السويس أكثر من مجرد اجتياز لمجرى مائي، وإنما كان عبورًا لحاجز نفسي وعسكري وسياسي ظن العدو أنه أصبح عصيًا على الاختراق. عبرت القوات المصرية القناة، وبدأت في إسقاط تحصينات خط بارليف وفتح الثغرات في الساتر الترابي، ثم أقامت رؤوس الكباري على الضفة الشرقية، لتبدأ مرحلة جديدة أثبتت خلالها القوات المسلحة المصرية قدرتها على تنفيذ عملية عسكرية معقدة تحت ظروف بالغة الصعوبة.

 

وكانت المفاجأة أحد أهم عناصر النجاح المصري؛ فقد اختارت القيادة توقيتًا أربك الحسابات الإسرائيلية، واستفادت من عامل المفاجأة الاستراتيجية، بالتزامن مع السادس من أكتوبر الذي وافق يوم عيد الغفران في إسرائيل والعاشر من رمضان، وهو ما ساهم في تأخير استدعاء الاحتياط الإسرائيلي ومنح القوات المصرية فرصة ثمينة لتثبيت العبور وتوسيع رؤوس الكباري.

 

وفي سماء المعركة، جاءت الضربة الجوية الافتتاحية لتؤكد أن العبور لم يكن عملية منفصلة عن منظومة عسكرية متكاملة، وإنما جزء من خطة دقيقة استهدفت مراكز القيادة والاتصالات ومواقع مؤثرة في سيناء، بما دعم القوات البرية في الساعات الأولى من الحرب.

 

أما قناة السويس، التي تحولت بعد عام 1967 إلى خط فاصل بين مصر وأرضها المحتلة، فقد أصبحت في أكتوبر مسرحًا لواحدة من أهم عمليات العبور العسكرية في القرن العشرين.

 

ولم يكن دور القوات الجوية والبرية منفصلًا عن دور القوات البحرية؛ فقد أثبتت البحرية المصرية حضورها في الحرب، كما ساهم إغلاق مضيق باب المندب في تضييق المجال أمام الملاحة الإسرائيلية، ليصبح البحر جزءًا من منظومة الضغط العسكري التي مارستها مصر خلال الحرب.

 

وفي الرابع عشر من أكتوبر، جاءت معركة المنصورة الجوية لتصبح واحدة من أشهر صفحات القوات الجوية المصرية في تاريخها الحديث. دارت معركة جوية عنيفة فوق دلتا النيل، وأثبت الطيارون المصريون قدرتهم على التعامل مع الهجوم الجوي الإسرائيلي رغم التفوق النوعي والعددي الذي امتلكته إسرائيل في مجال الطيران.

 

لكن قيمة أكتوبر لا تختصر في مشهد العبور وحده، ولا في عدد الدبابات التي دُمرت أو الطائرات التي أُسقطت؛ فالأهم أن الحرب أعادت تشكيل معادلة كاملة كانت قد تغيرت بعد نكسة يونيو 1967.

 

لقد استعادت مصر زمام المبادرة، واستعادت معها الثقة في قدرة القوات المسلحة المصرية على التخطيط والتنفيذ والمواجهة، وتحولت التجربة المصرية إلى دراسة مهمة في الأكاديميات العسكرية، لما تضمنته من التخطيط للخداع الاستراتيجي، وحشد القوات، والعبور، والتعامل مع التحصينات، وتوظيف الدفاع الجوي، والتنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة.

 

ومن أبرز الدروس التي بقيت حاضرة في الفكر العسكري أن التفوق لا يقاس دائمًا بحجم السلاح وحده، وإنما بكيفية استخدامه، وبقدرة القيادة على اختيار التوقيت المناسب، وتحديد الهدف، وإدارة المعركة، وتحويل عناصر القوة المتاحة إلى تأثير حقيقي في أرض القتال.

 

وكان حائط الصواريخ المصري أحد أهم عناصر حماية القوات التي عبرت القناة، إذ وفر مظلة دفاع جوي حدّت من قدرة الطيران الإسرائيلي على التعامل بحرية مع القوات المصرية شرق القناة، وهو ما منح القوات البرية مساحة للحركة وتثبيت مواقعها.

 

كما كشفت حرب أكتوبر أهمية المفاجأة والخداع الاستراتيجي في الحروب الحديثة؛ فقد استطاعت مصر أن تحافظ على سرية موعد العملية، وأن تستخدم سلسلة من الإجراءات التي ساعدت في تضليل القيادة الإسرائيلية بشأن النوايا المصرية، حتى جاءت لحظة العبور لتفرض واقعًا جديدًا على الأرض.

 

ويبقى يوم الحادي والعشرين من أكتوبر حاضرًا في ذاكرة الانتصارات المصرية، حين نجحت القوات البحرية في إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» أمام سواحل بورسعيد عام 1967 باستخدام الصواريخ البحرية، في واقعة شكلت محطة مهمة في تاريخ الحرب البحرية الحديثة، وأكدت أن مواجهة التفوق البحري يمكن أن تتم عبر توظيف التكنولوجيا والتكتيك بصورة فعالة.

 

ولهذا لا يحتفل المصريون بأكتوبر باعتباره ذكرى لمعركة انتهت، وإنما باعتباره درسًا متجددًا في معنى الإرادة الوطنية.

 

أكتوبر يقول إن الأرض لا تُستعاد بالأماني، وإن الكرامة الوطنية لا تُحفظ بالشعارات، وإنما بالعمل والتخطيط والتضحية والاستعداد.

 

ومن جيل أكتوبر إلى الأجيال التي جاءت بعده، تبقى الرسالة الأهم أن النصر الحقيقي لا يبدأ يوم إطلاق النار، بل يبدأ يوم يؤمن الإنسان بأن استعادة الحق ممكنة، ثم يحول هذا الإيمان إلى خطة، والخطة إلى عمل، والعمل إلى إنجاز.

 

ويشرفني أنني من مواليد هذا الشهر العظيم؛ شهر أكتوبر، شهر الانتصارات، الذي يحمل في ذاكرة المصريين واحدة من أعظم صفحات التاريخ الوطني، فكان ميلادي فيه مصادفةً جميلة أعتز بها، وذكرى وطنية أفتخر بأن اسمي ارتبط بها منذ يوم ميلادي.

 

هكذا بقي أكتوبر المجيد في وجدان المصريين؛ شهرًا ارتبط بالعبور والانتصار واستعادة الأرض، وبقيت ذكراه شاهدًا على أن مصر، حين توحد إرادتها وتعرف هدفها، تستطيع أن تصنع من أصعب اللحظات بداية جديدة لتاريخها.

 

أكتوبر ليس شهرًا في التقويم المصري فقط.. بل ذاكرة وطن، ودرس أمة، وصفحة مضيئة من صفحات التاريخ المصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى