أشرف المشطاوي يكتب.. دينا عزت.. عندما تتحول الواقعة إلى سلاح في معركة الإخوان ضد الدولة

في كل مرة تلوح فيها واقعة تحمل قدرا من الجدل، تخرج علينا منصات جماعة الإخوان الإرهابية لتتعامل معها باعتبارها فرصة جديدة لإعادة تدوير خطاب قديم يستهدف مؤسسات الدولة المصرية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية.

واقعة دينا عزت لم تخرج عن هذا السياق.

فبمجرد انتشار مقاطع الفيديو، بدأت موجة واسعة من التداول والتعليقات والاتهامات، قبل أن تكتمل الصورة، وقبل أن تنتهي الجهات المختصة من فحص جميع ملابسات الواقعة.

وهنا يجب أن نفرق بين أمرين لا يجوز الخلط بينهما: حق أي مواطن في الشكوى والاستغاثة، وحق مؤسسات الدولة في أن تعرض روايتها وتدافع عن نفسها.

وزارة الداخلية ليست خصما سياسيا لأحد، وليست مؤسسة يجوز النيل منها بمجرد مقطع فيديو أو رواية لم تحسمها التحقيقات.

الداخلية مؤسسة وطنية تحمل على عاتقها مسؤولية حفظ الأمن ومواجهة الجريمة والمخدرات والأسلحة وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم، ولذلك فإن استهدافها إعلاميا كلما ظهرت واقعة خلافية لا يمكن اعتباره بحثا محايدا عن الحقيقة.

وزارة الداخلية أعلنت روايتها للواقعة، وأكدت أن ما تم تداوله من اتهامات ضد القوة الأمنية غير صحيح وفقا للفحص الذي أجرته، وقدمت تفاصيلها بشأن ضبط زوج دينا عزت في واقعة مرتبطة بالمخدرات، وما تبع ذلك من إجراءات قانونية وعرض الأمر على النيابة.

وهنا يأتي دور الدولة ومؤسساتها.

النيابة تحقق.

والأدلة تفحص.

والقانون يحكم.

وليس من حق أي منصة على مواقع التواصل أن تختصر كل ذلك في منشور، ثم تصدر حكما نهائيا بالإدانة.

الأكثر خطورة أن بعض المنصات التي استغلت الواقعة لم تتعامل معها باعتبارها قضية تحتاج إلى تحقيق، وإنما باعتبارها مادة جاهزة للهجوم على وزارة الداخلية، وإعادة إنتاج صورة نمطية عن أجهزة الدولة.

وهذه ليست صحافة.

الصحافة تسأل وتتحقق وتعرض الروايات المختلفة.

أما أن تختار رواية واحدة، ثم تبني عليها اتهاما لمؤسسة كاملة، فذلك أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى العمل الصحفي.

نحن لا نقول إن رجل الشرطة فوق القانون.

على العكس تماما.

إذا ثبت ارتكاب أي ضابط أو فرد شرطة مخالفة، فيجب أن يحاسب وفقا للقانون.

لكن في الوقت نفسه، إذا لم تثبت الاتهامات، فمن الظلم أن تتحول وزارة الداخلية إلى متهم دائم، وأن يدفع آلاف الضباط والأفراد ثمن واقعة لم تثبت مسؤوليتهم عنها.

المشكلة الحقيقية اليوم أن السوشيال ميديا أصبحت قادرة على صناعة محكمة أسرع من محاكم الدولة.

فيديو مؤثر قد يصنع تعاطفا.

ومنشور غاضب قد يصنع اتهاما.

ومئات الحسابات قد تعيد نشر الرواية نفسها حتى يعتقد البعض أنها أصبحت حقيقة.

لكن الحقيقة لا تُقاس بعدد المشاركات.

الحقيقة تحتاج إلى دليل.

وهنا يجب أن نكون أكثر وعيا بمحاولات استغلال مثل هذه الوقائع سياسيا، خصوصا من جانب منصات جماعة الإخوان التي لم تتوقف عن استهداف مؤسسات الدولة المصرية ومحاولة ضرب الثقة بينها وبين المواطنين.

المعركة الحقيقية ليست مع دينا عزت كشخص.

وليست مع أي مواطن يطالب بحقه.

المعركة مع تحويل أي واقعة إلى أداة لتشويه الدولة وإضعاف الثقة في مؤسساتها.

ومن حق وزارة الداخلية أن تدافع عن رجالها، كما أن من حق المواطن أن يدافع عن نفسه.

والفاصل بين الاثنين ليس فيسبوك ولا يوتيوب ولا صفحات التواصل الاجتماعي.

الفاصل هو القانون.

ولهذا فإن الدفاع عن وزارة الداخلية في هذه اللحظة ليس دفاعا عن الخطأ إذا ثبت، وإنما دفاع عن حق مؤسسة وطنية في ألا تكون ضحية لمحاكمة إلكترونية تسبق التحقيق.

نحن بحاجة إلى شرطة قوية، وفي الوقت نفسه إلى شرطة ملتزمة بالقانون.

نحتاج إلى مواطن يعرف حقوقه، وفي المقابل يعرف أن الاتهام ليس حكما بالإدانة.

ونحتاج إلى إعلام يبحث عن الحقيقة، لا إلى منصات تبحث عن أكثر القصص قدرة على إشعال الغضب.

أما جماعة الإخوان ومنصاتها، فمن حقها أن تختلف سياسيا، لكن ليس من حقها أن تجعل كل واقعة جنائية وقودا لمعركة جديدة ضد الدولة المصرية.

مصر أكبر من فيديو، وأقوى من ترند، وأبقى من حملات التشويه.

ووزارة الداخلية، مثلها مثل أي مؤسسة وطنية، تخضع للقانون، لكنها في الوقت نفسه تستحق أن ندافع عن حقها في عرض الحقيقة كاملة، وألا نحاكمها قبل انتهاء التحقيق.

فإذا ثبت الخطأ، فالقانون كفيل بالمحاسبة.

وإذا لم يثبت، فمن واجبنا أن نرفض الظلم والتشهير.

وفي الحالتين، لا مكان إلا للحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى