إعداد وكتابة: مصطفى عبد الرحمن
في قلب الطالبية، وعلى امتداد شريان مروري يربط شارع الهرم بالطريق الدائري، يتردد اسم لا يمر عليه العابرون مرور الكرام: شارع عثمان محرم.
هذا الشارع الحيوي لا يحمل فقط اسمًا، بل يحمل سيرة أحد عظماء الهندسة المصرية ورجال الدولة الذين ساهموا في بناء مصر الحديثة: المهندس عثمان محرم باشا.
الفيلا التي تحولت إلى مصنع، والمشروع الذي أصبح شارعًا، كلها تحكي قصة رجل لم يُغادر اسمه وجدان المصريين رغم مرور العقود.
من هو عثمان محرم باشا؟
وُلد عثمان محرم باشا في 22 يناير عام 1881 بالقاهرة، وتخرج عام 1902 من مدرسة المهندسخانة، وهي ما تُعرف الآن بكلية الهندسة جامعة القاهرة.
بدأ حياته العملية في وزارة الأشغال، وتدرج بسرعة بسبب كفاءته، حتى تولّى منصب وزير الأشغال العمومية في 14 حكومة متعاقبة بين عامي 1924 و1952، ليكون أحد أطول وزراء الأشغال خدمة في تاريخ مصر.
مشروعات عثمان محرم الكبرى في بناء مصر
قاد عثمان محرم باشا عددًا من أضخم المشروعات القومية التي غيّرت وجه الري في مصر، أبرزها:
التعلية الثانية لخزان أسوان سنة 1933، والتي ضاعفت السعة التخزينية للمياه وغيّرت توزيع المياه على مستوى الجمهورية.
أشرف على بناء وتطوير قناطر نجع حمادي، إسنا، أسيوط، وفارسكور، والتي لا تزال حتى اليوم ركائز استراتيجية في ضبط مياه النيل.
أنشأ أنظمة ري وصرف حديثة طوّرت الزراعة في دلتا مصر وصعيدها.
تابع تنفيذ مشروعات الطاقة الكهرومائية، وكان من أوائل من أدخلوا مفاهيم الربط بين الطاقة والمياه.
دور عثمان محرم في تأسيس المؤسسات الهندسية الوطنية
أسس عثمان محرم باشا نقابة المهندسين المصرية عام 1943، وكان أول من دعا إلى استقلالية مهنة الهندسة ووضع قواعدها الأخلاقية.
كما ساهم في تطوير جمعية المهندسين المصريين، وربطها بالمؤسسات الدولية.
وبعد ثورة يوليو 1952، اتُّهم مثل غيره من رموز الدولة السابقة، لكن محكمة الغدر برّأته بالكامل، مما أكد نزاهته وتاريخه المشرف في خدمة الوطن.
فيلات عثمان محرم تتحول إلى شركة “سيد” للأدوية
في قلب الطالبية، وعلى طريق يحمل اسمه، تقع فيلات عثمان محرم باشا القديمة، والتي تحوّلت لاحقًا إلى مقر شركة “سيد” – تنمية الصناعات الكيماوية، إحدى أعرق شركات الأدوية في مصر.
هذه الفيلات، التي ما زال بعضها يحتفظ بطرازه المعماري الكلاسيكي، تقع تحديدًا بجوار مدرسة “أم الأبطال” التجريبية، وتُعدّ اليوم رمزًا حيًا للربط بين تاريخ الشخصية وموقعها الفعلي في الجيزة.
شارع عثمان محرم.. شريان مروري يحمل اسمه وتاريخه
أُطلق اسم عثمان محرم باشا رسميًا على الشارع الذي يربط شارع الهرم بالطريق الدائري، مرورًا بأحياء الطالبية والعمرانية والكونيسة.
ويُعد الشارع اليوم من أهم المحاور التجارية والسكنية في الجيزة.
وقد شهد خلال السنوات الأخيرة تطويرًا شاملًا تضمن:
توسعة الطريق وإعادة رصفه.
إنشاء أرصفة جديدة وإنارة حديثة.
إزالة الإشغالات وتنظيم واجهات المحال.
إنشاء سوق حضاري جديد بمنطقة “الكونيسة”، وهو ما زاد من أهمية الشارع الذي يحمل اسم عثمان محرم في حياة المواطنين اليومية.
لماذا يُعد عثمان محرم باشا علامة وطنية؟
لأن عثمان محرم لم يكن مجرد اسم على لافتة، بل كان مشروعًا وطنيًا في حد ذاته.
هو من شق الطرق، وبنى الجسور، وحصّن الري، ورفع كفاءة شبكات المياه، ووضع قواعد الهندسة المدنية في مصر.
وهو من تربّى في مدرسته آلاف المهندسين ممن خدموا الوطن بعده.
خاتمة تستحق التوثيق
في شارع يحمل اسمه، وداخل فيلا تحوّلت إلى مصنع، وفي قلوب أبناء الجيزة والطالبية، يبقى عثمان محرم باشا حيًا بسيرته وميراثه.
ليس صدفة أن يتكرر اسمه في الذاكرة والمكان، بل هو تقدير طبيعي لرجل صنع جزءًا كبيرًا من جسد الدولة المصرية الحديثة.

🔒 حقوق الملكية الفكرية والنشر محفوظة – المحتوى خاص بالمجموعة الصحفية:
جريدة وموقع اليوم التاسع ـ جريدة الإنتماء المصري ـ جريدة اليوم الأول
ممنوع النشر أو الاقتباس دون إذن كتابي رسمي.
زر الذهاب إلى الأعلى