مصر والصين ومستقبل دول الجنوب العالمى

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية والآسيوية – أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
يأتى الحديث عن الدور المصرى الصينى المشترك فى إثراء حوار (الجنوب – الجنوب) وقيادة دول الجنوب العالمى النامى، بإعتبار الصين قائدته والمسئولة عنه والداعمة له، فى ظل متغيرات عالمية غير مسبوقة، وهنا يتخذ التعاون بين مصر والصين منحى أكثر عمقاً وشمولاً لتدعيم صوت الجنوب العالمى عالمياً، وهو ما برز مؤخراً خلال الزيارة الرسمية التى قام بها رئيس مجلس الدولة الصينى “لى تشيانغ” إلى القاهرة فى الفترة من ٩ إلى ١٠ يوليو ٢٠٢٥، والتى تأتى أهميتها لمصر، نظراً لكونها تأتى مباشرةً بعد مشاركته فى قمة قادة مجموعة دول “البريكس” فى العاصمة البرازيلية ريو دى جانيرو، مما يمنحها بعداً إستراتيجياً فريداً يتجاوز الثنائية ليشمل السياق الإقليمى والدولى الأوسع لدعم صوت الجنوب العالمى الموحد فى كافة المحافل الدولية عالمياً. وتعد مصر شريكاً موثوقاً فيه بالنسبة للصين فى إثراء حوار الجنوب العالمى، بالنظر للعضوية المشتركة لمصر والصين فى تجمع البريكس ومجموعة العشرين، كمثال حى لما تقوم به كلاً منهما حالياً لتعزيز مصالح الدول النامية فى ظل الأزمات الدولية المتعاقبة التى يواجهها العالم، ولاسيما دول الجنوب العالمى النامى.
ويشير مصطلح “الجنوب العالمى” إلى الدول النامية فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والتى تواجه تحديات إقتصادية وإجتماعية وسياسية ومناخية. وهنا تسعى الصين مع مصر إلى بناء علاقات قوية مع هذه الدول، بهدف تعزيز التنمية المشتركة وتحقيق مصالح متبادلة. وتعتبر الصين نفسها قوة صاعدة فى الجنوب العالمى، وتسعى إلى لعب دور قيادى فى تشكيل النظام العالمى الجديد. ومن هنا يعد الجنوب العالمى هو بوابة الصين لبناء نظام عالمى جديد بعيداً عن سياسات الهيمنة والإملاءات والمشروطية الأمريكية.
وتقود الصين العديد من المبادرات الدولية لصالح دول الجنوب العالمى النامى، بما لديها علاقات إقتصادية وسياسية متنامية مع دول الجنوب العالمى، مدفوعة بمبادرات مثل “الحزام والطريق” والمبادرات التنموية التى أطلقها الرئيس الصينى “شى جين بينغ” لصالح عالم الجنوب العالمى، كمبادرات (التنمية العالمية والأمن العالمية والحوار الحضارى العالمى). وتعتبر الصين نفسها قوة مؤثرة فى الجنوب العالمى، وتسعى إلى بناء نظام عالمى جديد يعكس مصالح هذه الدول سياسياً وإقتصادياً ومناخياً. وتستخدم الصين الدبلوماسية لتعزيز علاقاتها مع دول الجنوب العالمى، وفق سياسة “دبلوماسية الدولة الكبرى ذات الخصائص الصينية فى العصر الجديد”، وتدعو إلى حلول سلمية للصراعات، فضلاً عن تعاون الصين مع دول الجنوب العالمى ومصر فى مواجهة التحديات المشتركة، مثل: (التغيرات المناخية والأوبئة). وتدعم دول الجنوب العالمى الصين فى كافة المحافل الدولية، وهنا تعبر مصر بإستمرار وقيادتها للرئيس المصرى “عبد الفتاح السيسى” عن تأييدها لرؤية الصين لبناء نظام عالمى أكثر عدالة وتعددية.
إن التعاون بين مصر والصين لتعزيز صوت الجنوب العالمى فى ظل هذه الظروف المفصلية يعد إمتداداً حقيقياً للعلاقات التاريخية المشتركة بين الدولتين، بوصفهما من المؤسسين لحركة عدم الإنحياز التى دعمت مصالح الدول النامية خلال حقبة الحرب الباردة، مع الإتفاق المصرى الصينى على إستمرار هذا التعاون لتعزيز صوت الجنوب العالمى من أجل الحفاظ على مصالح البلدان النامية. منذ تشكيل النظام العالمى فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، تعانى الدول النامية ودول الجنوب العالمى النامى من إختلالات هيكلية على أصعدة مختلفة، بالإضافة عما تواجهه تلك الدول النامية من العديد من التحديات الناشئة الناتجة عن الأزمات العالمية المتعددة والمتعاقبة، فضلاً عن تصاعد التوترات الجيوسياسية والإقتصادية إلى مستويات خطيرة، لاسيما خلال الوقت الراهن، وللأسف يتم التعامل بإزدواجية غربية وأمريكية فى معالجة العديد من القضايا الدولية الخاصة ببلدان الجنوب العالمى النامى.
إن حرب الإبادة الإسرائيلية الدائرة فى قطاع غزة وهذا العنف غير المسبوق دولياً والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة داخل قطاع غزة حتى الوقت الحاضر، ما هى إلا شواهد على إنحياز النظام الدولى بقيادة سياسات الهيمنة الأمريكية وقصوره فى التصدى لإنتهاكات القانون الدولى، خاصةً فيما يتعلق بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة بإعتبار أن هذا هو الحل الوحيد لتحقيق السلام الشامل فى الشرق الأوسط، وهو ما تدعمه مصر والصين فى جميع المحافل الدولية وتشجع عليه مختلف بلدان الجنوب العالمى النامى بقيادة الصين.
وهناك إتفاق مصرى صينى مشترك على ضرورة (إصلاح النظام المالى العالمى لصالح عالم الجنوب)، بما يعزز دور مؤسسات التمويل الدولية ويجنب البلدان النامية حرمانها من جنى مكاسب التنمية المستدامة التى تحققت بصعوبة، فضلاً عن تعزيز جهود العمل المناخى للتغلب على تحديات تغير المناخ التى تعانى منها الدول النامية، وتعد السياسة الصينية الحالية فى التحول نحو (الإقتصاد الأخضر) كجزء من الإستراتيجية الصينية لدعم دول الجنوب النامى فى التمتع بطاقة نظيفة مستدامة لصالح رفاهية الشعوب النامية بالأساس وحقها فى الحياة والمعيشة المشتركة وفق مبدأ الرئيس الصينى “شى جين بينغ” فى (المنفعة المتبادلة للجميع والمصير المشترك للبشرية ومبدأ رابح – رابح). وهنا كثفت بلدان الجنوب النامى بقيادة الصين جهودها فى الآونة الأخيرة لفرض إصلاحات حقيقية على النظام العالمى، بهدف جعله أكثر إنصافاً وعدالة فى ظل تزايد الأزمات الإقتصادية والإجتماعية والمناخية.
ومن وجهة النظر الصينية، تعد مصر من أهم الدول الداعمة لصوت الجنوب العالمى، بالنظر لمكانة مصر فى العالم العربى والإسلامى والشرق الأوسط كفاعل سياسى وإستراتيجى مهم فى المنطقة. وبالنسبة لبكين، تعد مصر بمثابة بوابة للحوار مع العالم العربى والإسلامى بأكمله ودول الشرق الأوسط. علاوة على أن مصر تحتل موقعاً إستراتيجياً مهماً على طرق التجارة الأوروبية والآسيوية الرئيسية بإمتلاكها لقناة السويس التى تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر والمحيط الهندى، كما إن مصر هى همزة الوصل عبر قناة السويس بين أسواق غرب آسيا وشمال أفريقيا وجنوب أوروبا، والتى تمثل نقطة إرتكاز فى مبادرة الحزام والطريق الصينية ومشروع طريق الحرير البحرى الصينى، وهو الأمر الذى يخدم الإستراتيجية الصينية فى دعم الحوار بين دول الجنوب العالمى النامى.
وهنا لعبت مصر دوراً تاريخياً فى إعلاء صوت دول الجنوب العالمى دولياً، ولعل أبرز الأدوار المصرية مع الصين فى إعلاء صوت الجنوب العالمى من خلال عضويتهما المشتركة فى (مجموعة الـ ٧٧) فى الأمم المتحدة للدول النامية، إيماناً منهما بجدوى مساهمة الدول النامية فى صياغة أجندة العمل الدولية. وظلت كلاً من مصر والصين منذ إنضمامها إلى الأمم المتحدة، صوتاً قوياً ومعبراً عن طموحات شعوب الجنوب فى الحرية والتنمية والسلام، ومساهماً رئيسياً فى صياغة السياسات الدولية التى تستند إلى التعددية والتكافؤ والإحترام المتبادل. فضلاً عن الدور التاريخى لمصر مع الصين فى الدفاع عن قضايا الدول النامية، وسعيهما المستمر إلى تحقيق العدالة الدولية، وتعزيز صوت الجنوب فى المحافل العالمية. وكانت كلاً من مصر والصين جزءاً حقيقياً من كافة التغيرات التى شهدتها كتلة الدول النامية بحيث أصبح “عالم الجنوب” بمثابة المصطلح الذى يعبر عن التنوع الذى تشهده الدول النامية، والهادف لرفع المستويات التنموية وتطوير القدرات الإقتصادية، مع الإعتراف بتحقيق البعض منها طفرات إقتصادية ملحوظة مع تمسكها بكونها دول نامية.
وفى مواجهة سياسات إزدواجية المعايير الدولية إزاء قضايا الجنوب العالمى النامى، برزت إستراتيجية “تعددية التحالفات بين دول الجنوب النامى”، كأحد التطورات الرئيسية فى العلاقة بين بلدان الجنوب العالمى بقيادة الصين وأقطاب النظام العالمى الراهن بقيادة واشنطن وسياستها الإملائية المشروطة فى التعامل مع ملفات وقضايا دول الجنوب، وهى إستراتيجية تهدف إلى تحسين مواقف دول الجنوب التفاوضية والدفاع بشكل أفضل عن مصالحها من خلال شبكة من التحالفات المتعددة مع مختلف الأقطاب الدولية. ومن المتوقع أن تتطور إستراتيجية التعددية التى تنتهجها دول قوى الجنوب العالمى بقيادة مصر والصين نحو عالم متعدد الأقطاب الدولية.




