■ مدخل: حروب لا تُخاض بالسلاح فقط
حين تنفجر الجبهات في الشرق الأوسط، لا يكفي أن تراقب الخرائط أو تتتبع الصواريخ لتفهم من المنتصر. النصر في هذه المنطقة لا يُقاس بالضربات الموجّهة، بل بمدى صمود الجبهات، وثبات الأنظمة، وتحكّم الأطراف في توقيت التصعيد وسقفه.
ومن هنا تبدأ قصة الصراع بين إيران وإسرائيل، حيث لا يُكشَف عن كل الأوراق، ولا يُعلَن عن كل الخسائر.
■ إسرائيل: قبضة حديدية ترتجف من الداخل
منذ اللحظة التي قررت فيها تل أبيب توجيه ضربات مباشرة للمنشآت النووية الإيرانية، بدا أنها تتجه نحو ما تُسميه “المعركة الحاسمة”. ضوء أخضر أمريكي، طيران حربي متطور، وأجهزة استخبارات تخترق العمق الإيراني كالسهم.
لكن خلف هذه القدرة العسكرية الهائلة، برزت نقاط ضعف خطيرة:
هشاشة الجبهة الداخلية: لم يعد المجتمع الإسرائيلي مهيّأً لحرب طويلة، في ظل تفكك سياسي داخلي، وانقسامات حول أولويات الدولة العبرية.
الضربات المرتدة: صواريخ إيرانية دقيقة طالت تل أبيب وحيفا ومواقع عسكرية للمرة الأولى منذ عقود، مخترقة خطوط الدفاع التي طالما وصفت بـ”غير القابلة للاختراق”.
تعدد الجبهات: ما أن اشتعلت الحرب مع إيران، حتى انفتحت الجبهات في غزة وجنوب لبنان وسوريا، لتضع الجيش الإسرائيلي في مواجهة حرب استنزاف متعددة الاتجاهات.
إسرائيل انتصرت على الورق في الضربة الأولى، لكنها خسرت القدرة على احتواء الردّ، وانكشفت قدرتها المحدودة على خوض صراع متعدد الجبهات.
■ إيران: قوة الردع في وجه العزلة
طهران، ورغم أنها كانت هدفًا، لم تلعب دور الضحية. بل تحركت كطرف “يعيد تعريف الردع”.
الرد الصاروخي الإيراني لم يكن فقط عسكريًا، بل سياسياً ونفسياً. أرادت طهران أن تقول: “لن تسكتنا الغارات، بل سنعيد هندسة المعركة”.
تفعيل محور المقاومة: لم ترد إيران وحدها. ردّت عبر حلفائها في العراق، ولبنان، وغزة، وسوريا. ما جعل المواجهة إقليمية الهوى، دولية التأثير.
المرونة الاستراتيجية: رغم الضربات، لم تنهر القيادة الإيرانية، ولم تُسقَط مراكز القرار، بل ظلّت تمسك بزمام الأمور، وتناور سياسياً في فيينا وموسكو وبكين، مستفيدة من تصاعد الانتقادات العالمية لنهج إسرائيل.
لكن لا شك أن الثمن كان باهظًا:
منشآت دُمرت واختراقات استخباراتية كشفت عيوب البنية الأمنية.
اقتصاد مُنهك أساسًا زادت عليه نيران الحرب.
أسئلة داخلية حادة حول جدوى الانخراط الإقليمي ودفع الفاتورة عن وكلاء الخارج.
■ من الرابح الحقيقي؟ المقارنة على طاولة الوقائع
المقارنةإسرائيل إيران الضربة الأولى ناجحة ناجحة وسريعةلم تكن صاحبة المبادرةالرد العسكري متفوق متفوق تقنيًا لكن محدود بالأثرمباغت، متعدد المحاورالداخل الشعبي قلق، متوتر، يرفض حربًا مفتوحةأكثر استعدادًا للتضحيات الخسائر الاقتصاديةتراجع ثقة المستثمرين، خسائر بالبنيةتضاعف العقوبات، نزيف داخليالدعم الدولي متباين متباين – دعم أمريكي، انتقادات أوروبيةتحرك دولي جزئي لصالحها ضد التصعيدالسيطرة على الإقليم تراجع الهيبة بفعل تعدد الجبهات تعزيز الدور عبر الحلفاء
■ المشهد النهائي: لا رابح في الحروب طويلة النفس
النهاية لم تُكتب بعد، لكن المؤشرات تفرض واقعًا جديدًا:
إسرائيل لم تعد الطرف الذي يضرب بلا رد.
وإيران لم تعد في مأمن من الاختراق الداخلي.
كلا الطرفين فقد جزءًا من هيبته، وكلاهما اكتشف أن الحرب، حين تشتعل، لا تظل تحت السيطرة، ولا تُدار فقط من غرف العمليات.
والأخطر: أن الشعوب، سواء في طهران أو تل أبيب، أو في بيروت وغزة ودمشق، تدفع ثمنًا مضاعفًا… ثمنًا لا يُحصى بعدد الصواريخ، بل بعدد الأحلام المهدورة تحت الركام.
■ الخلاصة: نصر مكسور.. وهزيمة لم تعلن
في هذه الحرب، لا أحد خرج منتصرًا حقًا.
إسرائيل أحرجت نفسها برد لم تستطع احتواءه.
وإيران أثبتت قدرتها على الرد، لكنها دفعت ثمناً داخليًا باهظًا.
ووسط هذا المشهد، يظل السؤال معلقًا في الهواء:
هل ما جرى هو مجرد جولة؟ أم بداية لحرب لا نهاية لها، إلا بانهيار أحدهما أو احتراق الإقليم بكامله؟
زر الذهاب إلى الأعلى