الحرب الإيرانية الإسرائيلية وتداعياتها على المشهد العالمي

 

بقلم: مصطفى عبدالرحمن

هل أصبح العالم على أعتاب حرب عالمية ثالثة؟

سؤالٌ بات يتردد بقوة متزايدة في أروقة السياسة، ومراكز القرار، وعقول الشعوب، بعد التصاعد الحاد في المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، والضربات الجوية المتبادلة التي تجاوزت كونها رسائل عسكرية، لتضع العالم أمام احتمالات مرعبة لمواجهة شاملة قد لا تبقي ولا تذر.

فجر يوم الجمعة، 13 يونيو 2025، شنت الطائرات الإسرائيلية هجومًا على مواقع حيوية داخل العمق الإيراني، في تطور غير مسبوق أشعل فتيل التوتر الإقليمي، وفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة.
لكن بعيدًا عن تفاصيل الضربات، فإن الخطر الحقيقي يكمن في مناخ التحالفات المتوتر، حيث بدأت الدول تصطف على خطوط النار، سياسيًا وعسكريًا.

خمسة أيام من النار
على مدار خمسة أيام مضت، شهدت المنطقة تصعيدًا عسكريًا هو الأخطر منذ عقود، حيث تبادلت إسرائيل وإيران الضربات الجوية والصاروخية، مستهدفتين قواعد عسكرية ومواقع استراتيجية داخل أراضي بعضهما البعض.
أسفرت هذه المواجهات عن مقتل أكثر من ٢٧٠ شخصًا في الجانبين، بينهم مدنيون، إضافة إلى تدمير منشآت نفطية وبُنى تحتية في إيران، واستهداف مراكز قيادة ومخازن أسلحة في شمال إسرائيل.

ورغم هذه المواجهة المفتوحة، لم تتوقف إسرائيل عن ممارساتها العدوانية في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث ارتكبت خلال نفس الفترة عدة مجازر بحق المدنيين، راح ضحيتها أكثر من ٤٥ شهيدًا فلسطينيًا، بينهم أطفال ونساء، نتيجة القصف المكثف على مخيمات اللاجئين ومنازل سكنية مأهولة.
في مشهد يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي يستغل التصعيد مع إيران للتغطية على جرائمه المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، دون أدنى اعتبار للقانون الدولي أو قرارات الأمم المتحدة.

تصعيد بلا سقف
في الوقت الذي تتفاوت فيه ردود الأفعال الدولية بين الدعوة للتهدئة ومراقبة التصعيد، تبدو المنطقة وكأنها تنزلق تدريجيًا نحو انفجار أوسع، قد تعجز الدبلوماسية عن احتوائه.
إيران، بما تمثله من ثقل استراتيجي ونفوذ إقليمي، لن تقف مكتوفة الأيدي، بينما تسعى إسرائيل لتثبيت معادلة “التفوق الاستباقي”، حتى وإن كلفها ذلك الدخول في مواجهة مفتوحة.

أين تقف القوى الكبرى؟
الولايات المتحدة، الحليف الأبرز لإسرائيل، تبدو أكثر حذرًا في هذا التصعيد، لكنها تظل شريكًا صامتًا، مما يثير قلقًا واسعًا في العالم العربي والإسلامي.
في المقابل، تسعى روسيا والصين لاستثمار الموقف لتعزيز نفوذهما الاستراتيجي، دون الانخراط المباشر في المعركة، مراهنين على سياسة النفس الطويل وموازنة النفوذ.

العالم العربي.. بين الحذر والانقسام
المواقف العربية متباينة: من بيانات الشجب، إلى مساعٍ محدودة للتهدئة، إلى تخوف حقيقي من امتداد ألسنة اللهب إلى أراضيها.
لكن السؤال الجوهري يظل مطروحًا:
هل الصراع عقائدي بحت، أم سياسي في جوهره؟
وهل تقف الشعوب العربية متفرجة، أم أن النيران المشتعلة قد تصل إلى كل بيت عربي بشكل أو بآخر؟

مصر.. موقف متزن وقلق مشروع
تتابع مصر تطورات المشهد الإقليمي بحذر بالغ، داعية إلى ضبط النفس والعودة للحوار، انطلاقًا من إدراك عميق بتأثير أي انفجار عسكري على الأمن القومي المصري والعربي.
فحدود مصر، وأمنها المائي والسياسي، لا ينفصل عن استقرار الشرق الأوسط، كما أن عودة شبح الحرب تفتح الباب أمام تحديات أمنية مزمنة، ومخاوف من تغيرات جذرية في موازين القوى.

هل يعيد التاريخ نفسه؟
بين مؤتمرات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأصوات الطائرات التي تعلو سماء طهران وتل أبيب، يبدو أن المشهد يعيد إنتاج نفسه.
لكن هذه المرة، بأسلحة أكثر دمارًا، وتحالفات أكثر هشاشة، ونظام دولي عاجز عن احتواء النزاعات أو فرض السلام.
فازدواجية المعايير، وتجاهل الحقوق، وتغليب المصالح الضيقة، كلها عوامل تسرّع من انهيار المنظومة القديمة، وتدفع نحو ولادة نظام عالمي جديد، قد لا يكون أكثر عدالة.

النار تبدأ من شرارة
إذا كان التاريخ يعلّمنا شيئًا، فهو أن الحروب الكبرى لا تبدأ بضربة واحدة، بل بسلسلة من الأخطاء، والتحالفات المرتبكة، والمصالح غير المحسوبة.
وما نعيشه اليوم، ليس مجرد نزاع بين دولتين، بل اختبار صريح لمفهوم الاستقرار العالمي، ولمدى قدرة العالم على إنقاذ نفسه قبل أن يبتلع الحريق الجميع.

العبرة ليست في من يملك السلاح الأقوى، بل في من يملك الرؤية الأبعد لإنقاذ الإنسانية من دورة خراب تتكرر بأسماء جديدة.. فهل من يسمع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى