كتبت : منال حسين
لم أكن أتخيل أن أول مشهد يربطني بمصر بعد الحرب سيكون وداعًا.
عند وفاة والدي، كنت في مصر، وفي لحظةٍ كنت فيها أحوج ما أكون إلى السند، حدث ما لم أتوقعه. امتلأ المسجد بالمصلين في صلاة الجنازة عليه، وجوه لم أعرفها من قبل، لكنها حضرت وكأنها تعرفنا منذ زمن. وقف معي المصريون بقلوبهم قبل كلماتهم، فشعرت أنني لست غريبة، وأن الفقد—على قسوته—صار أخفّ حين يُحمل بين أكتاف كثيرة.
في تلك اللحظة، لم يكن المشهد مجرد عزاء، بل كان تجسيدًا حيًا لمعنى الانتماء الإنساني الذي يتجاوز الحدود.
حين وطأت قدمي أرض مصر، لم تكن مجرد رحلة عادية، بل كانت عبورًا من واقع ثقيل في السودان إلى مساحة جديدة تحمل مزيجًا من القلق والأمل. لم آتِ كسائحة، بل جئت محمّلة بذكريات الحرب، وبقلبٍ يبحث عن بعض الطمأنينة على ضفاف النيل الذي يجمع البلدين منذ آلاف السنين.
العلاقة بين مصر والسودان ليست مجرد روابط جغرافية أو سياسية، بل هي امتداد تاريخي وثقافي عميق، تشكّل عبر النيل، والهجرة، والتداخل الاجتماعي. كثيرًا ما وُصفت هذه العلاقة بأنها علاقة “شعب واحد في بلدين”، وهي عبارة قد تبدو تقليدية، لكنها تكتسب معناها الحقيقي حين تُختبر في لحظات الشدة.
منذ وصولي، لم أشعر بأنني غريبة. في تفاصيل الحياة اليومية، في اللهجة القريبة، في طريقة التعامل، كان هناك إحساس مألوف يخفف من وطأة الغربة. ومع تداعيات الحرب في السودان، لم يعد الانتقال خيارًا عاديًا، بل ضرورة فرضتها الظروف، وأصبح البحث عن الأمان أولوية لا تحتمل التأجيل.
في هذا السياق، برزت مصر كوجهة أولى لكثير من السودانيين، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل أيضًا بفعل الروابط الإنسانية التي ظهرت بوضوح في مواقف الحياة اليومية. في الشارع، في وسائل المواصلات، وحتى في الأحاديث العابرة، يتجلى قدر من التعاطف والدعم غير المعلن، لكنه ملموس.
تجربتي الشخصية، بدءًا من لحظة الفقد وحتى تفاصيل الحياة اليومية، دفعتني إلى إعادة التفكير في مفهوم العلاقات بين الدول. فهذه العلاقات لا تُبنى فقط عبر الاتفاقيات الرسمية أو الخطابات السياسية، بل تتشكل أيضًا من خلال مواقف الناس العاديين، ومن قدرتهم على التعاطف، والاحتواء، ومدّ يد العون.
في النهاية، قد ترسم السياسة ملامح العلاقة بين الدول، لكن الشعوب هي التي تمنحها معناها الحقيقي.
زر الذهاب إلى الأعلى