القنيطرة …قنطرة المغرب نحو المستقبل

 

كتب د/ أحمد البهنسي

القنيطرة…مدينة مغربية تبعد عن العاصمة المغربية الرباط بنحو ساعة بالسيارة، وهي من المدن التي توقفت عندها كثيرا عند زياراتي المتكررة للمغرب سواء للعمل أو للمشاركة في مؤتمرات وندوات علمية وثقافية أو حتى للسياحة وزيارة الأصدقاء والأحباء، فهي مدينة كما يقول بعض أهل المغرب عنها “تطلق زينها لزائرها” أي تستعرض جمالها لمن يزورها.

معرفتي الأولى بهذه المدينة جاءت مصادفة في صيف 2015 عن طريق صديق جزائري كان مقيمًا بالرباط للحصول على درجة الدكتوراة، ساقتني الأقدار لمعرفته على هامش ملتقى ثقافي في مدينة خريبكة المغربية التي تُعرف بـ”عاصمة الفوسفاط” في المغرب ذلك البلد الذي يحتل المركز الثاني عالميًا في انتاج هذا العنصر الهام.

حينها كانت معرفتي بالمغرب شبه محدودة وتنحصر في مدنه الكبرى مثل الرباط العاصمة الادارية أو الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية، أو حتى طنجة التي تسمى بعاصمة البوغاز لإطلالها على مضيق جبل طارق الشهير، غير أن قنيطرة التي تبدو صغيرة نسبيًا مقارنة بهذه المدن بدت لي كما لو كانت فتاة شديدة الحسن لا يلتفت لمفاتنها إلا أصحاب الذوق الرفيع والفهم الراقي والعميق في الحسن والدلال.

لما أخذني صديقي الجزائري لأول مرة لزيارة هذه المدينة أعجبت كثيرًا بنظافتها وهدوئها وقبل كل ذلك بقربها من العاصمة، ولفت انتباهي الكثير من الأشياء بها لعل من أهمها نقاء مناخها وذلك لربما بأنها مدينة فلاحية ومحاطة بالكثير من الأراضي الزراعية، علاوة على أن نهر “سبو” وهو أحد أكبر أنهار المغرب يمر بها ويصب في المحيط الأطلسي الذي تقع على شواطئه. كما لفت انتباهي وجود العديد من الطلاب الجامعيين بالمدينة وبسؤال صديقي الجزائري عرفت أنها مقرًا لجامعة “ابن طفيل” التي تأسست عام 1989، وتعد من أبرز الجامعات المغربية.

كازا الصغيرة

كانت هذه الانطباعات الأولى عن ” القنيطرة” هذه المدينة التي تبدو صغيرة لكنها تتوفر على امكانات كبيرة جدًا بدأت اكتشفها مع تكرار زياراتي لها وعقد عدد من الأنشطة سواء العلمية أو التدريبية الصحفية بها، وفي كل زيارة كان يزيد إعجابي بها لدرجة أنها اصبحت من المحطات الرئيسة التي أحرص على التوقف فيها لعدة أيام عند كل زيارة لي للمغرب نظرًا لأنها تتوفر على موقع استراتيجي في وسط ساحل المغرب وتوجد بها محطة قطار كبيرة ورئيسة علاوة على أنها تتسم بأن مستوى الحياة بها ليس غاليا مثل مدن مغربية أخرى كبيرة، وهو ما فسر لي فيما بعد أن كثيرًا من أصدقائي الصحفيين المغاربة الذين يعملون في الرباط يتخذون من هذه المدينة إقامة لهم.

على مدار سنوات لم تنقطع أحاديثي مع أصدقائي المغاربة عن هذه المدينة، وفي مرة من المرات قال لي صديقي الصحفي المغربي إن الكثير من المغاربة يطلقون عليها بالفرنسية Petite Casa أي كازا الصغيرة، وكازا هنا إشارة مختصرة لمدينة كازابلانكا أي الدار البيضاء التي تعد الحاضرة الاقتصادية للمغرب لما تشتمل عليه من مقومات اقتصادية ضخمة، وبهذا اختصر لي صديقي الصحفي المغربي تلك الأهمية الاقتصاية لهذه المدينة لاسيما لما تتوفر عليه ليس من موقع استراتيجي وحسب يربط الساحل المغربي شماله وجنوبه وكذا وسط وغرب المغرب، بل أيضًا نظرًا لوجود ميناء بها ومقومات فلاحية وشبكة طرق على أعلى مستوى، وهو ما تم تتويجه باختيارها لتكون محطة رئيسة من محطات قطار البراق فائق السرعة الذي تم تشغيله بالمغرب عام 2018 ليربط بين غرب المغرب ( الدار البيضاء) وشماله ( طنجة) في نحو ساعتين فقط.

وفي طيات نقاشي مع صديقي الصحفي المغربي اتضح لي أن هذه التسمية لا يُقصد بها المقومات الاقتصادية المميزة لهذه المدينة وحسب، بل إنها تشير أيضًا لما تتوفر عليه المدينة من أماكن للترفيه والسهر بل والسياحة تجعلها منافسًا صاعدًا للدار البيضاء في هذا المجال أيضًا، وهو ما ثبت لي بزياراتي المتكررة للمدينة التي اتوقع أنها ستكون مدينة سياحية بامتياز خلال السنوات القادمة، لاسيما وأن البراق الذي يمكنه حمل الزائر أو السائح من طنجة لقنيطرة في نحو خمسين دقيقة فقط ومن الدار البيضاء إلى القنيطرة في نحو ساعة ونصف فقط ، سيجعلها هدفًا سياحياً لمن يبحثون عن الراحة والهدوء ومتعة العين والنفس.

خلال زياراتي للمملكة عام 2025 كنت حريصًا أن استقل البراق من قنيطرة إلى طنجة، حينها لم أعجب فقط بالامكانات الفنية والتقنية لهذا القطار فائق السرعة، لكني تأكدت أن قنيطرة سيكون لها مكانة لوجيستية واقتصادية بارزة على خريطة الاقتصاد المغربي في المستقبل القريب، وأن البراق سيكون بمثابة رافعة نحو المزيد من ازدهار هذه المدينة ليس اقتصاديًا وحسب بل سياحيًا أيضًا.

اتذكر أنه حينما وصلت في البراق إلى مدينة طنجة قادما من قنيطرة في هذا الوقت القياسي عدت بذاكرتي إلى عام 2011 حينما زرت المغرب لأول مرة وركبت القطار العادي فيها الذي يسمى بـ”الأطلس”، ورغم تعلقي به وإعجابي الشديد به لأنه أعطاني فرصة أن أشاهد من وراء نوافذه الكثير من مناطق المغرب وأنهاره وصحرائه وحقوله وبحيراته وسدوده، إلا أني حلمت أن تكون هناك وسيلة نقل أسرع وأكثر راحة تمكن الزائر من الانتقال بين مدن المغرب، وحين استقليت البراق شعرت أن حلمي قد تحقق.

دبي المغربية

خلال إحدى زياراتي للقنيطرة تعرفت على نادل أحد مقاهي وسط هذه المدينة، وصرنا أصدقاء بحق لاسيما بعدما فاجئني بثقافته الكبيرة والواسعة وقبل ذلك بحبه الشديد لمصر، الذي اكتشفته خلال أحاديثنا الدائمة التي أظهر خلالها معرفة عميقة ودقيقة بتاريخ مصر وحضارتها.

لفت انتباهي خلال مناقشاتي معه حول قنيطره قوله إن عاهل المغرب الراحل الحسن الثاني رحمة الله عليه، قال في إحدى لقاءاته الصحفية إن قنيطرة ستصبح عاصمة المغرب الاقتصادية عام 2030، والحقيقة أني حاولت استخدام كل أدواتي الصحفية للتحقق من صحة هذا التصريح فلم أتوصل لشيء.

رغم ذلك فان كلمات صديقي النادل المغربي قادتني لطرح سؤال مهم هل يمكن لقنيطرة أن تقلب الطاولة وتتحول لعاصمة المغرب الاقتصادية عام 2030، خاصة أنه في كل عام أزورها فيها أجد بها تطورًا لافتًا لا يمكن أن تخطئه عين؟.

علاوة على محطة البراق بهذه المدينة التي أرى أنها أضافت تحولا استراتيجيًا كبيرًا وخطيرًا في موقعها بالمغرب، فقد لاحظت تطورًا كبيرًا في ميناءها البحري والمنطقة التجارية والسياحية المرتبطة به التي تسمى شاطىء المهدية، والذي وفقًا للمسؤولين المغاربة من المقرر أن يكون من أكبر الموانئ على الأطلسي وسيشكل فرصة لاستقطاب استثمارات تتعلق بصناعة السفن وإصلاحها.

كذلك هناك عدد من المشاريع التأهيلية لملاعب كرة قدم بالمدينة استعدادًا لاستضافة مبارايات كأس العالم والمنافسات الكروية القارية، إضافة إلى ضخ استثمارات كبيرة في منطقة تسمى “مرجة الفوارت” ستكون بمثابة محمية طبيعية لعدد كبير من الطيور النادرة والمهاجرة علاوة على منطقة سياحية متكاملة ستكون في ثلاث مناطق كبرى بهذه المحمية.

هناك أيضًا مشروع بكلفة نحو 2.5 مليار دولار لبناء مدينة ذكية بمنطقة المهدية بقنيطرة تعتمد على الطاقة الشمسية وستشمل جامعة طبية ومركز أبحاث علمية علاوة على ملعب أوليمبي ومنطقة سكنية فاخرة بحيث تتحول هذه المنطقة إلى “دبي المغربية”.

ناهيك عن مشاريع أخرى سواء تم تدشينها فعلا أو يخطط لها في أفق السنوات القادمة يضيق المقام عن ذكرها جميعا، وهو ما يعزز من إمكانيات هذه المدينة لا لأن تكون عاصمة اقتصادية وسياحية وحسب بل لتكون بمثابة ” قنطرة للمغرب نحو مستقبل من التنمية والازدهار السياحي والاقتصادي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى