كتب سيد عبد الفتاح
لم يعد الخلاف داخل جماعة الإخوان في الخارج مجرد تباين تنظيمي أو اختلاف في الرؤى السياسية، بل تطوّر خلال السنوات الأخيرة إلى صراع مفتوح على النفوذ والموارد، وصل إلى ساحات القضاء التركي، في مؤشر واضح على حجم الانقسام الذي يضرب بنية التنظيم من الداخل.
فبين جبهتي محمود حسين وصلاح عبد الحق، تتصاعد المواجهة حول السيطرة على الكيانات المالية والمؤسسات التابعة للتنظيم، وسط اتهامات متبادلة بمحاولات الاستحواذ على الممتلكات وتوظيفها لتحقيق مصالح خاصة، بعيدًا عن الاعتبارات التنظيمية التقليدية التي طالما شكّلت الإطار الحاكم لإدارة الموارد.
وتشير معطيات متداولة داخل الأوساط التنظيمية إلى أن الخلاف لم يعد إداريًا فحسب، بل امتد إلى نزاعات قانونية مباشرة، من بينها قضية مبنى إداري في إسطنبول مكوّن من خمسة طوابق، جرى شراؤه عبر عدد من القيادات وتوزيع ملكيته بينهم. ومع وفاة القيادي إبراهيم منير وتنازل حصته لشركائه، تصاعد النزاع على السيطرة الكاملة على المبنى، ما دفع أحد الأطراف إلى تحريك دعوى قضائية انتهت بقرار يقضي بتقسيمه بين الجبهتين.
هذا المشهد يعكس تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الصراع داخل التنظيم، إذ بات المال عنصر الحسم الرئيسي في تحديد موازين القوة، بينما تتراجع الاعتبارات الأيديولوجية والتنظيمية إلى الخلف. ويقول متابعون إن عدداً من القيادات والكوادر انخرطوا في صراعات داخلية شابتها اتهامات بالنصب والاحتيال، في محاولة للاستحواذ على أصول وممتلكات مرتبطة بالتنظيم أو بواجهاته الاستثمارية.
في المقابل، تعاني القواعد التنظيمية في الخارج – خصوصًا في تركيا – من تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع مصادر الدعم، وهو ما عمّق حالة الغضب الصامت بين العناصر، التي ترى أن القيادات منشغلة بإدارة مصالحها المالية الخاصة أكثر من انشغالها بإعادة ترتيب الصف أو معالجة الأزمات التنظيمية.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه التنظيم ضغوطًا دولية متزايدة، على خلفية إدراجه في قوائم الإرهاب لدى عدد من الدول، وتنامي الاتجاهات داخل أوروبا لاتخاذ إجراءات مماثلة، ما ضيّق مساحات الحركة السياسية والمالية أمامه، وأدخل قياداته في سباق محموم للحفاظ على ما تبقى من شبكاته ومصادر تمويله.
في المحصلة، يبدو أن الصراع بين جبهتي محمود حسين وصلاح عبد الحق تجاوز حدود التنافس القيادي، ليتحول إلى معركة على الإرث التنظيمي ذاته: من يملك القرار، ومن يسيطر على المال، ومن يحتفظ بالشرعية داخل كيان يعيش واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ تأسيسه. وفي ظل هذا الانقسام الحاد، تتآكل صورة التنظيم من الداخل، بينما تتزايد الشكوك حول قدرته على إعادة لملمة صفوفه أو استعادة تماسكه في المدى القريب