أول امرأة على رأس الحكومة المغربية.. ما الرسائل الخفية؟

 

كتب د /أحمد البهنسي

 

لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية مجرد تغيير في اسم شاغل المنصب، وإنما حدث استثنائي في تاريخ المملكة؛ فهي أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة منذ استقلال المغرب، في خطوة تفتح الباب أمام قراءة أوسع لدلالات القرار وتوقيته، وما يمكن أن يحمله من رسائل بشأن صورة الدولة المغربية واتجاهاتها في المرحلة المقبلة.

 

فالمرأة المغربية لم تعد، خلال عهد الملك محمد السادس، مجرد عنوان للحضور الاجتماعي، وإنما أصبحت جزءاً متزايداً من المشهد السياسي والإداري والاقتصادي. وقد شهدت المملكة خلال السنوات الماضية وصول نساء إلى مواقع حكومية وقيادية بارزة، من بينها وزارة الاقتصاد والمالية، بما يعكس توجهاً نحو توسيع حضور المرأة في دوائر صناعة القرار. كما أن السياسات الرسمية المغربية تضع الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للنساء ضمن أولوياتها.

من هنا، يمكن النظر إلى اختيار المنصوري باعتباره امتداداً لمسار أوسع في إعادة تقديم صورة المرأة المغربية داخل الدولة الحديثة، وليس مجرد استجابة ظرفية لنتائج الانتخابات. فالمنصوري نفسها ليست وافدة جديدة إلى الحياة العامة؛ فقد تولت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير، كما سبق أن ترأست جماعة مراكش، ما منحها خبرة تنفيذية وسياسية قبل الوصول إلى رئاسة الحكومة.

 

رسالة للداخل

 

ولا شك أن وصول امرأة إلى أعلى منصب حكومي مغربي يحمل رسالة داخلية واضحة على مستوى توسيع المجال أمام الكفاءات النسائية، خصوصاً في مجتمع شهد خلال العقود الأخيرة تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة.

لكن أهمية الخطوة لا تتوقف عند البعد الرمزي؛ فرئاسة الحكومة تعني الانتقال من تمثيل المرأة إلى تحميلها مسؤولية إدارة ملفات شديدة التعقيد، من الاقتصاد والتشغيل إلى التعليم والصحة والاستثمار. ولذلك سيكون التحدي الحقيقي أمام المنصوري هو قدرة حكومتها على ترجمة هذا الحضور الرمزي إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن المغربي.

 

الملكية العصرية

قد تكون إحدى أهم الرسائل المرتبطة بالتعيين هي تقديم صورة عن ملكية مغربية عصرية تتكيف مع التحولات الاجتماعية والسياسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية النظام السياسي المغربي.

فتعيين امرأة في رئاسة الحكومة يضيف بعداً جديداً إلى الصورة التي تحاول المملكة تقديمها عن نفسها باعتبارها دولة تجمع بين المحافظة على هويتها وبين الانفتاح على تحديث مؤسساتها ومجتمعها.

وهنا تبرز أهمية التوقيت؛ فالمغرب يستعد لمرحلة دولية بالغة الأهمية مع اقتراب استضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وهي مناسبة لا تتعلق بالرياضة فقط، وإنما بصورة المغرب وقدرته على إدارة حدث عالمي بهذا الحجم. وتصف السلطات المغربية ورش المونديال بأنه مشروع استراتيجي يشمل الملاعب والمطارات والطرق والفنادق والصحة والاتصالات والتكوين، بما يجعله جزءاً من عملية تحول اقتصادي أوسع.

 

اختبار الاقتصاد والمونديال

 

الحكومة الجديدة برئاسة المنصوري ستواجه ورشاً ضخمة مرتبطة بمونديال 2030، بالتوازي مع تحديات البطالة والقدرة الشرائية والصحة والتعليم. وقد حذر صندوق النقد الدولي من استمرار الحاجة إلى خلق فرص عمل وتعزيز دور القطاع الخاص، رغم توقعاته بنمو الاقتصاد المغربي بنحو 4.4% خلال 2026.

وبالتالي فإن المنصوري ستجد نفسها أمام معادلة دقيقة: إنجاح الاستثمارات الكبرى المرتبطة بالمونديال، وفي الوقت نفسه ضمان ألا يشعر المواطن بأن الإنفاق على البنية التحتية والحدث الرياضي يأتي على حساب احتياجاته اليومية.

وتزداد أهمية هذا التحدي مع ارتفاع حجم الاستثمارات المرتبطة بأوراش 2030، وما تفرضه من ضرورة تحقيق عائد اقتصادي واجتماعي طويل المدى، وليس مجرد إنجاز منشآت تستضيف مباريات البطولة.

 

لماذا الآن؟

 

السؤال الذي سيبقى مطروحاً: لماذا اختار المغرب هذه اللحظة تحديداً لتقديم أول امرأة إلى رئاسة الحكومة؟

لا توجد إجابة رسمية تربط التعيين برسالة محددة، ولذلك فإن أي قراءة لما وراء القرار تظل في إطار التحليل السياسي. لكن يمكن القول إن التوقيت يجمع ثلاثة مسارات في لحظة واحدة: ترسيخ حضور المرأة، تقديم صورة حديثة للمملكة، والاستعداد لمرحلة اقتصادية ودولية استثنائية عنوانها مونديال 2030.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو قصة فاطمة الزهراء المنصوري مجرد قصة امرأة وصلت إلى قمة السلطة التنفيذية، بل اختباراً لصورة المغرب الذي يريد أن يقدمه للعالم خلال السنوات المقبلة: مغرب أكثر انفتاحاً على مشاركة المرأة، وأكثر استعداداً لاستثمار موقعه الدولي، وفي الوقت نفسه مطالب بتحويل مشروعاته الكبرى إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية يشعر بها المواطن.

ويبقى نجاح التجربة مرتبطاً بما ستفعله الحكومة على أرض الواقع؛ فـالسابقة التاريخية بدأت بالتعيين، لكن دلالتها السياسية والاجتماعية ستتحدد بما ستنجزه أول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى