المطورون والخبراء يطرحون روشتة لإنعاش المبيعات.. التمويل العقاري وتيسيرات السداد وتنشيط المعارض وتصدير العقار في مقدمة الحلول

يواجه السوق العقاري المصري مرحلة جديدة من التحديات، بعد سنوات من النمو القوي الذي قادته معدلات التضخم وارتفاع تكلفة الأصول، حيث أصبح الحفاظ على معدلات المبيعات وتنشيط الطلب يمثلان أولوية أمام شركات التطوير العقاري.

وتزامنت هذه المرحلة مع تغير سلوك العملاء، وارتفاع تكلفة شراء الوحدات، وتراجع القدرة الشرائية لدى بعض الشرائح، وهو ما دفع المطورين إلى تقديم أنظمة سداد أكثر مرونة وعروض تمويلية وتسويقية مختلفة للحفاظ على حركة المبيعات.

ويأتي إلغاء دورة 2026 من معرض ومؤتمر Cityscape Egypt ليضيف تحديًا جديدًا أمام السوق، خاصة أن المعارض العقارية كانت تمثل إحدى أهم أدوات التواصل المباشر بين المطورين والعملاء، إلى جانب دورها في إطلاق المشروعات وتحفيز المبيعات. وقد أثار إلغاء الدورة الحالية نقاشًا واسعًا حول حاجة القطاع إلى إعادة النظر في أدواته التسويقية وآليات تنشيط الطلب.

وفي المقابل، تشير مؤشرات التمويل العقاري إلى وجود مساحة كبيرة للنمو؛ فقد سجل إجمالي التمويل العقاري الممنوح من الشركات نحو 7.67 مليار جنيه خلال يونيو 2026، بزيادة 38.4% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وهو ما يعكس إمكانية لعب التمويل دورًا أكبر في تحريك السوق خلال المرحلة المقبلة.

«التمويل هو مفتاح تنشيط الطلب»

المهندس محمود البدري، رئيس مجلس إدارة شركة المستقبل للإستثمار العقاري، يرى أن تنشيط السوق العقاري يبدأ من التعامل مع التحدي الأساسي المتمثل في القدرة الشرائية للعملاء.

ويقول إن السوق لا يعاني من غياب الاحتياج إلى العقار، وإنما يحتاج إلى أدوات تساعد العميل على تحويل رغبته في الشراء إلى قرار فعلي، موضحًا أن ارتفاع أسعار الوحدات بالتزامن مع تغير القدرات الشرائية جعل أنظمة السداد والتمويل عنصرًا أساسيًا في قرار الشراء.

ويؤكد البدري أن التوسع في التمويل العقاري يمثل أحد أهم الحلول القادرة على تحريك السوق، مطالبًا بتطوير منتجات تمويلية أكثر مرونة، وزيادة آجال السداد، وربط التمويل بمنتجات عقارية متنوعة تتناسب مع مستويات دخل مختلفة.

ويشير إلى أن الشراكة بين المطورين والبنوك وشركات التمويل العقاري يمكن أن تفتح الباب أمام حلول جديدة، بدلًا من الاعتماد الكامل على أنظمة التقسيط التي يقدمها المطور، لافتًا إلى أن السوق يحتاج إلى منظومة تمويل متكاملة تساعد العميل وتدعم في الوقت نفسه قدرة المطور على توفير السيولة اللازمة لاستكمال مشروعاته.

كما يرى أن تنشيط السوق لا يعني بالضرورة خفض أسعار العقارات، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكلفة الأراضي والتنفيذ، وإنما يتطلب تقديم قيمة حقيقية للعميل، سواء من خلال أنظمة السداد أو الخدمات أو جودة المنتج العقاري.

«إلغاء Cityscape رسالة لإعادة تطوير أدوات التسويق»

من جانبه، يرى المهندس أحمد عبدالعزيز، رئيس مجلس إدارة AZIZ Properties، أن السوق العقاري المصري ما زال يمتلك فرصًا قوية للنمو، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة صياغة أدوات التسويق والبيع بما يتناسب مع التغيرات التي طرأت على سلوك العملاء.

ويؤكد عبدالعزيز أن المعارض العقارية لعبت لسنوات دورًا مهمًا في تحريك المبيعات، وإلغاء Cityscape Egypt 2026 يجب أن يكون دافعًا للقطاع للبحث عن أدوات وفعاليات بديلة، وليس التعامل معه باعتباره نهاية لدور المعارض العقارية.

ويضيف أن السوق يحتاج إلى فعاليات عقارية أكثر تخصصًا، لا تقتصر على البيع المباشر، وإنما تجمع المطورين بالمؤسسات المالية والمستثمرين والعملاء، وتتيح مناقشة فرص الاستثمار والتحديات التي تواجه القطاع.

ويشير إلى أن تنشيط السوق يتطلب كذلك دعم تصدير العقار، خصوصًا في ظل امتلاك مصر قاعدة كبيرة من المشروعات الجديدة والمدن العمرانية والساحلية، مؤكدًا أن استهداف المصريين بالخارج والمستثمرين العرب والأجانب يمكن أن يمثل مصدرًا إضافيًا للطلب.

ويرى عبدالعزيز أن المطورين مطالبون كذلك بتطوير منتجاتهم بما يتناسب مع احتياجات السوق، مع الحفاظ على الشفافية في التعاقدات والالتزام بمواعيد التسليم، لأن ثقة العميل أصبحت أحد أهم محددات قرار الشراء.

«نحتاج إلى تنشيط حقيقي وليس عروضًا مؤقتة»

ويرى محمد الجوهري، رئيس مجلس إدارة شركة قوافل، أن تنشيط السوق العقاري يحتاج إلى إجراءات مستدامة وليس مجرد حملات ترويجية أو عروض مؤقتة.

ويؤكد أن المطور العقاري أصبح مطالبًا بفهم التغيرات التي طرأت على أولويات العميل، مشيرًا إلى أن العميل أصبح أكثر بحثًا ومقارنة قبل اتخاذ قرار الشراء، وأصبح يهتم بصورة أكبر بموقع المشروع، وجودة التنفيذ، وسابقة أعمال الشركة، والخدمات، وقيمة إعادة البيع، إلى جانب السعر ونظام السداد.

ويشير الجوهري إلى أن إعادة تنشيط السوق تتطلب تحقيق توازن بين مصلحة المطور واحتياجات العميل، موضحًا أن المطور يحتاج إلى الحفاظ على هوامش تمكنه من الاستمرار في التنفيذ، بينما يحتاج العميل إلى أنظمة سداد واقعية لا تمثل ضغطًا كبيرًا على دخله.

ويطالب بتشجيع الشراكات بين المطورين والمؤسسات المالية، وتقديم حلول تمويلية موجهة للقطاع العقاري، إلى جانب التوسع في تنظيم الفعاليات والمعارض المتخصصة التي تستهدف شرائح محددة من العملاء بدلًا من الاعتماد على معرض واحد أو موسم تسويقي واحد.

كما يؤكد أهمية زيادة الاهتمام بالمدن الجديدة والمناطق التي تشهد معدلات نمو سكاني واستثماري، بما يساهم في توزيع الطلب وعدم تركيزه في مناطق محدودة.

«إعادة هيكلة السوق ضرورة.. والتمويل وحده لا يكفي»

من جانبه، يرى الخبير العقاري الدكتور حسني هاني عمر أن تنشيط السوق العقاري يحتاج إلى رؤية شاملة تتعامل مع أطراف المنظومة كافة، مؤكدًا أن التمويل العقاري يمثل جزءًا مهمًا من الحل لكنه ليس الحل الوحيد.

ويقول إن السوق يحتاج إلى ضبط العلاقة بين السعر والقيمة، بحيث تكون الأسعار المطروحة أكثر ارتباطًا بقدرة السوق على الاستيعاب، مع ضرورة رفع جودة المنتجات العقارية وتعزيز الشفافية في التعامل مع العملاء.

ويؤكد عمر أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإعادة تنظيم السوق، خاصة مع توجه الدولة نحو وضع إطار أكثر وضوحًا لممارسة نشاط التطوير العقاري، معتبرًا أن زيادة الثقة في المطورين القادرين على التنفيذ والتسليم ستكون عاملًا رئيسيًا في استقرار السوق خلال السنوات المقبلة. ويأتي ذلك بالتزامن مع تحركات لإنشاء إطار مهني وتشريعي أكثر وضوحًا لنشاط التطوير العقاري.

ويشير الخبير العقاري إلى أهمية التوسع في التمويل العقاري، لكن مع تطوير المنتجات التمويلية نفسها لتكون أكثر ملاءمة لطبيعة السوق وأسعار الوحدات الحالية، لافتًا إلى أن القطاع يحتاج إلى أدوات تسمح بزيادة قاعدة المستفيدين دون الإخلال بالضوابط الرقابية.

وتؤكد بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية وجود مجال كبير للتوسع في التمويل، إذ أظهرت بيانات يناير 2026 ارتفاع قيمة التمويل العقاري الممنوح من الشركات إلى 2.9 مليار جنيه، مقابل 2.293 مليار جنيه في يناير 2025، في حين تراجع عدد العقود، وهو ما يعكس ارتفاع متوسط قيمة التمويل والحاجة إلى توسيع قاعدة المستفيدين.

«5 محاور لتنشيط السوق»

وتتقاطع رؤى المطورين والخبراء حول عدد من المحاور الرئيسية التي يمكن أن تمثل روشتة عملية لتنشيط السوق العقاري المصري خلال الفترة المقبلة:

أولًا: التوسع في التمويل العقاري وتطوير منتجات تمويلية جديدة تتناسب مع أسعار الوحدات الحالية، مع إتاحة آجال سداد أطول وحلول أكثر مرونة.

ثانيًا: تطوير منظومة المعارض والفعاليات العقارية، بحيث تتحول إلى منصات استثمارية متكاملة تجمع المطورين والعملاء والبنوك وشركات التمويل والمستثمرين.

ثالثًا: دعم تصدير العقار المصري من خلال استهداف المصريين بالخارج والأسواق العربية والأجنبية، وتوفير آليات تسويقية وتمويلية تسهل شراء العقار المصري.

رابعًا: تعزيز الثقة في السوق من خلال الالتزام بمواعيد التسليم، ورفع مستوى الشفافية في التعاقدات، وتقديم معلومات واضحة عن المشروعات والمطورين.

خامسًا: تطوير المنتج العقاري نفسه، بحيث يتوافق مع الاحتياجات الحقيقية للعملاء، بدلًا من التركيز فقط على زيادة الأسعار أو المساحات أو عدد المشروعات المطروحة.

وتؤكد هذه الرؤى أن تنشيط السوق العقاري المصري لا يرتبط بإجراء واحد، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تشارك فيها الدولة والمطورون والبنوك وشركات التمويل والعملاء، خاصة أن العقار يظل من القطاعات الأكثر ارتباطًا بعشرات الصناعات والأنشطة الاقتصادية.

وبينما يفرض تراجع القدرة الشرائية تحديات جديدة على السوق، فإن نمو نشاط التمويل العقاري وتوسع قاعدة المدن والمشروعات يمثلان فرصًا يمكن البناء عليها. ويبقى التحدي الرئيسي هو تحويل الطلب الكامن إلى طلب فعلي، من خلال أدوات تمويل وتسويق وتسعير أكثر مرونة، بما يسمح للسوق باستعادة نشاطه بصورة مستدامة وليس عبر موجات مؤقتة من المبيعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى