الدبابة… حكاية رجل لم يعرف التراجع
هناك رجال لا يتحدثون كثيرًا عن أنفسهم، فتتحدث عنهم أعمالهم.
في زمن أصبحت فيه المناصب بالنسبة إلى البعض غاية، لا يزال هناك من ينظر إليها باعتبارها مسؤولية وتكليفًا، ويؤمن بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بالموقع الذي يشغله، وإنما بما يتركه من أثر في المكان الذي مر به.
ومن بين هؤلاء يأتي محمد رشاد، الذي عرفه كثيرون بلقب “الدبابة”؛ وهو لقب لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بشخصية عُرفت بالحزم وسرعة الحسم والقدرة على التعامل مع الملفات الصعبة، وتحمل المسؤولية في المواقف التي تحتاج إلى قرار واضح.
لكن خلف هذه الشخصية التنفيذية الحازمة، يعرف المقربون وجهًا آخر؛ رجلًا بسيطًا ومتواضعًا، يؤمن بأن المنصب لا يصنع قيمة الإنسان، وأن القوة الحقيقية لا تعني القسوة، وإنما تعني القدرة على تحمل المسؤولية، واحترام الناس، والالتزام بالقانون.
رحلة بدأت من القانون
بدأت رحلة محمد رشاد العملية بعد حصوله على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام ٢٠٠٣، عندما عمل باحثًا قانونيًا بالشؤون القانونية في مجلس مدينة الصف.
وهناك بدأ في تكوين رؤيته للعمل العام، حيث أدرك أن القانون لا يقتصر على النصوص والمواد، وإنما يرتبط بالمسؤولية والضمير والقدرة على تحويل النص القانوني إلى واقع يخدم الصالح العام.
ثم تولى منصب نائب المشرف العام على محاجر الصف، قبل أن ينتقل إلى إدارة المتابعة الميدانية بمركز الصف، وهي محطة كان لها دور مهم في بناء خبرته التنفيذية، بعدما أصبح العمل مرتبطًا بصورة مباشرة بالميدان ومتابعة الملفات على أرض الواقع.
وفي عام ٢٠٢٠ تولى منصب مدير المتابعة الميدانية بمركز الصف، ليبدأ مرحلة جديدة من العمل التنفيذي وتحمل مسؤوليات أكبر.
ثم جاءت محطة جديدة بتكليفه رئيسًا للوحدة المحلية بالشوبك الشرقي، حيث ارتبط عمله بمتابعة وتنفيذ مشروعات المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، وما شملته من مشروعات في قطاعات المياه والصرف الصحي والكهرباء والرصف والمباني الخدمية ومراكز الشباب وغيرها من الخدمات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
وبعدها تولى رئاسة الوحدة المحلية بالأقواز، إحدى الوحدات المحلية المهمة بمركز الصف، ثم انتقل إلى منصب نائب رئيس مدينة العياط، قبل أن يتولى موقعه الحالي نائبًا لرئيس مركز ومدينة أبو النمرس.
من محطة إلى أخرى… الثقة تُبنى
قد تبدو هذه الرحلة للوهلة الأولى مجرد تسلسل وظيفي، لكن النظر إليها بصورة أعمق يكشف أنها سلسلة من المسؤوليات التي جاءت تباعًا، وكل محطة منها حملت قدرًا جديدًا من الخبرة والتحدي.
فالمناصب التنفيذية لا تمنح صاحبها مساحة للراحة بقدر ما تضع أمامه مسؤوليات يومية متواصلة؛ ملفات متشابكة، وشكاوى للمواطنين، ومتابعة ميدانية، واجتماعات، وقرارات تحتاج إلى التوازن بين سرعة الحسم ودقة القرار.
والعمل التنفيذي الحقيقي لا ينتهي بانتهاء ساعات الدوام، لأن المسؤول في الميدان يتعامل مع مشكلات لا تنتظر موعدًا، واحتياجات مواطنين لا يمكن تأجيلها دائمًا إلى اليوم التالي.
ومن هنا يمكن فهم جانب من سر لقب “الدبابة”.
فالدبابة رمز للتقدم والثبات وعدم التوقف أمام أول عقبة، وهو ما يراه البعض في شخصية محمد رشاد؛ حزم في القرار، وإصرار على استكمال المهمة، وقدرة على تحمل الضغوط عندما تصبح المسؤولية أكثر صعوبة.
خلف الحزم… إنسان
ومع ذلك، فإن الحزم لا يعني غياب الجانب الإنساني.
فالذين تعاملوا مع محمد رشاد عن قرب يعرفون شخصية مختلفة عن الصورة التي قد يرسمها لقب “الدبابة”؛ شخصية بسيطة ومتواضعة، ترى أن المنصب مهما طال فهو مؤقت، بينما تبقى سيرة الإنسان وعلاقته بالناس هي الشيء الذي يستمر.
فالمسؤول الحقيقي لا يختبر فقط في قدرته على اتخاذ القرار، وإنما في قدرته على الموازنة بين القانون والواقع، وبين متطلبات العمل واحتياجات المواطنين، وبين الحسم عندما يكون الحسم ضروريًا والاستماع عندما يكون الاستماع هو الطريق الأفضل للحل.
وهذه المعادلة هي التي تصنع الفارق بين من يشغل منصبًا، ومن يتحمل مسؤولية.
النجاح لا يأتي دفعة واحدة
لم تكن رحلة محمد رشاد طريقًا خاليًا من الضغوط، وإنما جاءت نتيجة سنوات من العمل والاجتهاد وتحمل المسؤولية والتعلم من كل تجربة.
فالفرصة قد تأتي إلى الإنسان، لكن الأداء هو الذي يحولها إلى نجاح.
وقد يصل الإنسان إلى منصب، لكن ما يحدد مستقبله بعد ذلك هو ما يقدمه في هذا المنصب.
وقد يحظى باحترام الناس في موقف، لكن المحافظة على هذا الاحترام تحتاج إلى سنوات من الالتزام وحسن التعامل.
ولهذا فإن قصة محمد رشاد لا يمكن اختصارها في مجموعة من المناصب، وإنما هي رحلة تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة، بل يُبنى خطوة بعد خطوة.
رسالة تتجاوز حدود التجربة
وربما تحمل هذه الرحلة رسالة مهمة إلى الشباب: لا تجعل حلمك أصغر من قدرتك على تحمل الطريق إليه.
تعلم، واجتهد، واصبر، ولا تجعل تأخر النتائج سببًا للتراجع.
فالنجاح لا يأتي دائمًا في الوقت الذي نريده، لكنه غالبًا يصل إلى من يواصل الطريق ولا يسمح للعقبات بأن تكون نهاية قصته.
اجعل أخلاقك رأس مالك، واحترام الناس مكسبك الحقيقي، وأخلص في عملك حتى عندما لا يراك أحد؛ لأن قيمة الإنسان لا تتوقف على التصفيق، وإنما على الأثر الذي يتركه وراءه.
فالقمة لا يصل إليها من يبحث عن الطريق الأسهل، وإنما من يستطيع أن يتحمل المشقة، ويواصل السير، وينهض كلما تعثر.
في النهاية…
قد تتغير المناصب، وتتبدل المواقع، وتنتهي المسؤوليات، لكن هناك أشياء لا تنتهي بانتهاء المنصب: السمعة الطيبة، والسيرة الحسنة، والاحترام الذي يتركه الإنسان في قلوب من تعاملوا معه.
فالمناصب محطات، أما السيرة فهي الطريق كله.
والأسماء قد تُكتب في القرارات الرسمية، لكن قيمتها الحقيقية تُكتب في ذاكرة الناس.
ولهذا لم يكن لقب “الدبابة” مجرد لقب أطلقه البعض على محمد رشاد، وإنما أصبح بالنسبة إلى من عرفوه تعبيرًا عن الحزم والثبات والقدرة على مواجهة صعوبة المسؤولية.
أما خلف هذا اللقب، فيبقى الإنسان؛ إنسان يؤمن بأن القوة الحقيقية ليست في الشدة وحدها، وإنما في حسن الخلق، واحترام الناس، والإخلاص في أداء الأمانة.
فقد تنتهي كل المناصب… لكن تبقى سيرة الرجل شاهدة عليه.




